فصل: (سورة الشعراء: الآيات 225- 226):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.[سورة الشعراء: الآيات 225- 226]:

{أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (226)}.
{وَالشُّعَراءُ} مبتدأ. {ويَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ} خبره: ومعناه: أنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، والنسيب بالحرم والغزل والابتهار، ومدح من لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم ولا يطرب على قولهم- إلا الغاوون والسفهاء والشطار. وقيل: الغاوون: الراوون. وقيل: الشياطين، وقيل: هم شعراء قريش: عبد اللّه بن الزبعرى، وهبيرة بن أبى وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف، وأبو عزة الجمحىّ. ومن ثقيف: أمية ابن أبى الصلت. قالوا: نحن نقول مثل قول محمد- وكانوا يهجونه، ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أشعارهم وأهاجيهم- وقرأ عيسى بن عمر: والشعراء، بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر. قال أبو عبيد: كان الغالب عليه حبّ النصب. قرأ: {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ}، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}، {وسُورَةٌ أَنْزَلْناها} وقرئ: يتبعهم، على التخفيف. ويتبعهم، بسكون العين تشبيها لبعه بعضد.
ذكر الوادي والهيوم: فيه تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلق في المنطق ومجاوزة حدّ القصد فيه، حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحهم على حاتم، وأن يبهتوا البرىّ، ويفسقوا التقى. وعن الفرزدق: أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله:
فبتن بجانبىّ مصرّعات ** وبت أفض أغلاق الختام

فقال: قد وجب عليك الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ اللّه عنى الحدّ بقوله: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ}.

.[سورة الشعراء: آية 227]:

{إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)}.
استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر اللّه وتلاوة القرآن، وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرا قالوه في توحيد اللّه والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والآداب الحسنة، ومدح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والصحابة وصلحاء الأمة، وما لا بأس به من المعاني التي لا يتلطخون فيها بذنب ولا يتلبسون بشائنة ولا منقصة، وكان هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم. قال اللّه تعالى {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} وذلك من غير اعتداء ولا زيادة على ما هو جواب لقوله تعالى {فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ} وعن عمرو بن عبيد: أن رجلا من العلوية قال له: إن صدري ليجيش بالشعر، فقال: فما يمنعك منه فيما لا بأس به؟ والقول فيه: أن الشعر باب من الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام. وقيل: المراد بالمستثنين: عبد اللّه بن رواحة، وحسان ابن ثابت، والكعبان: كعب بن مالك، وكعب بن زهير، والذين كانوا ينافحون عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويكافحون هجاة قريش. وعن كعب بن مالك أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال له: «اهجهم، فو الذي نفسي بيده لهو أشدّ عليهم من النبل» وكان يقول لحسان: «قل وروح القدس معك». ختم السورة بآية ناطقة بما لا شيء أهيب منه وأهول، ولا أنكى لقلوب المتأمّلين ولا أصدع لأكباد المتدبرين، وذلك قوله: {وَسَيَعْلَمُ} وما فيه من الوعيد البليغ، وقوله: {الَّذِينَ ظَلَمُوا} وإطلاقه. وقوله: {أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} وإبهامه، وقد تلاها أبو بكر لعمر رضي اللّه عنهما حين عهد إليه: وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويتناذرون شدّتها.
وتفسير الظلم بالكفر تعليل، ولأن تخاف فتبلغ الأمن: خير من أن تأمن فتبلغ الخوف.
وقرأ ابن عباس: أي منفلت ينفلتون. ومعناها: إن الذين ظلموا يطمعون أن ينفلتوا من عذاب اللّه، وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة: اللهم اجعلنا ممن جعل هذه الآية بين عينيه فلم يغفل عنها، وعلم أن من عمل سيئة فهو من الذين ظلموا، واللّه أعلم بالصواب.
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم وبعدد من كذب بعيسى وصدق بمحمد عليهم الصلاة والسلام». اهـ.

.قال الخازن:

قوله: {وإنه} يعني القرآن {لتنزيل رب العالمين} يعني أن فيه من أخبار الأمم الماضية ما يدل على أنه من رب العالمين {نزل به الروح الأمين} يعني جبريل عليه السلام سماه زوجًا لأنه خلق من الروح وسماه أمينًا، لأنه مؤتمن على وحيه لأنبيائه {على قلب} يعني على قلبك حتى تعيه وتفهمه ولا تنساه وإنما خص القلب لأنه هو المخاطب في الحقيقة، وأنه موضع التمييز والعقل والاختيار وسائر الأعضاء مسخرة له ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» أخرجاه في الصحيحين.
ومن المعقول أن موضع الفرح والسرور، والغم والحزن هو القلب، فإذا فرح القلب أو حزن تغير حال سائر الأعضاء فكأن القلب كالرئيس لها، ومنه أن موضع العقل هو القلب على الصحيح من القولين فإذا ثبت ذلك كان القلب هو الأمير المطلق، وهو المكلف والتكليف مشروط بالعقل والفهم.
قوله تعالى {لتكون من المنذرين} أي المخوفين {بلسان عربي مبين} قال ابن عباس بلسان قريش ليفهموا ما فيه {وإنه} يعني القرآن وقيل ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته {لفي زبر الأولين} أي كتب الأولين {أولم يكن لهم آية} يعني أولم يكن لهؤلاء المتكبرين علامة ودلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم {أن يعلمه} يعني يعلم محمدًا صلى الله عليه وسلم {علماء بني إسرائيل}.
قال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة يسألونهم عن محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا إن هذا لزمانه وإنا نجد في التوراة نعته وصفته فكان ذلك آية على صدقه صلى الله عليه وسلم قيل كانوا خمسة عبد الله بن سلام وابن يامين وثعلبة وأسد وأسيد.
قوله تعالى {ولو نزلناه} يعني القرآن {على بعض الأعجمين} جمع أعجمي وهو الذي لا يفصح ولا يحسن العربية، وإن كان عربيًا في النسب ومعنى الآية، وأنزلنا القرآن على رجل ليس بعربي اللسان {فقرأه عليهم} يعني القرآن {ما كانوا به مؤمنين} أي لقالوا لا نفقه قولك وقيل معناه لما آمنوا به أنفه من اتباع من ليس من العرب {كذلك سلكناه} قال ابن عباس: يعني أدخلنا الشرك والتكذيب {في قلوب المجرمين لا يؤمنون به} آي القرآن {حتى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون فيقولوا هل نحن منظرون} أي لنؤمن ونصدق وتمنوا الرجعة ولا رجعة لهم {أفبعذابنا يستعجلون} قيل لما وعدهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالعذاب قالوا إلى متى توعدنا بالعذاب ومتى هذا العذاب، فأنزل الله أفبعذابنا يستعجلون {أفرأيت إن متعناهم سنين} أي كفار مكة في الدنيا ولم نهلكهم {ثم جاءهم ما كانوا يوعدون} يعني العذاب {ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} أي في تلك السنين الكثيرة والمعنى أنهم وإن طال تمتعهم بنعيم الدنيا، فإذا أتاهم العذاب لم يغن عنهم طول التمتع شيئًا ويكونوا كأنهم لم يكونوا في نعيم قط {وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون} أي رسل ينذرونهم {ذكرى} أي تذكره {وما كنا ظالمين} أي في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم {وما تنزلت به الشياطين} يعني أن المشركين كانوا يقولون: إن الشياطين يلقون القرآن على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ذلك {وما ينبغي لهم} أن ينزلوا بالقرآن {وما يستطيعون} أي ذلك، ثم إنه تعالى ذكر سبب ذلك فقال: {إنهم عن السمع لمعزولون} أي محجوبون بالرمي بالشهب فلا يصلون إلى استراق السمع {فلا تدع مع الله إلهًا آخر فتكون من المعذبين} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره لأنه معصوم من ذلك.
قال ابن عباس: يحذر بهم غيره يقول أنت أكرم الخلق علي، ولو اتخذت إلهًا غيري لعذبتك.
قوله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} روى محمد بن إسحاق بسنده عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعًا وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمت عليها حتى جاءني جبريل فقال: يا محمد أن لا تفعل ما تؤمر يعذبك ربك فاصنع لنا طعامًا واجعل لنا عليه رجل شاة واملأ لنا عسًا من لبن ثم اجمع لي بن عبد المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به» ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له وكانوا يومئذٍ نحو أربعين رجلًا يزيدون رجلًا أو ينقصونه فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب فلما اجتمعوا دعاني بالطعام الذي صنعت فجئت به، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم جذبة من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال: «خذوا باسم الله» فأكل القوم حتى ما لهم بشيء من حاجة وايم الله أن كان الرجل الواحد ليأكل، مثل ما قدمت لجميعهم ثم قال «اسق القوم» فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا جميعًا، وأيم الله أن كان الرجل الواحد ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب فقال: سحركم صاحبكم فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الغد: «يا علي فإن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فاعدد لنا من الطعام مثل ما صنعت» ثم أجمعهم ففعلت ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته، ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا وشربوا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه سلم فقال: «يا بني عبدالمطلب إني قد جئتكم بخبري الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يوازرني على أمري هذا، ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم» فأحجم القوم عنها جميعًا، وأنا أحدثهم سنًا فقلت أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي، ثم قال «هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا» فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيعه.
ق عن ابن عباس: لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين صعد النبيّ صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فهر يا بني عدي لبطون من قريش، حتى اجتمعوا فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولًا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي قالوا ما جربنا عليك كذبًا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد».
فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتتنا فنزلت {تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب} وفي رواية قد تب وفي رواية للبخاري، لما نزلت {وانذر عشيرتك الأقربين} ورهطك منهم المخلصين خرج سول الله صلى الله عليه وسلم، حتى صعد الصفا فهتف «يا صباحاه»، فقالوا من هذا واجتمعوا إليه وذكر نحوه، ق عن أبي هريرة قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} وقال: «يا معشر قريش» أو كلمة نحوها «اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئًا يا عباس بن عبدالمطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا ويا فاطمة بنت رسول الله سليني ماشئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا» م عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو قالا لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رضمة جبل فعلا أعلاها حجرًا ثم نادى «يا بني عبد مناف إني نذير لكم إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف يا صباحاه» ومعنى الآية أن الإنسان إذا بدأ بنفسه أولًا وبالأقرب فالأقرب من أهله ثانيًا لم يكن لأحد عليه طعن البتة وكان قوله أنفع وكلامه أنجع.